من مظاهرات داريّا إلى حقول إدلب: قصة صمود الوردة الشامية
حمل المُهجَّرون من داريا معهم الوردة الشامية ليزرعوها في قلب إدلب رمزاً للإرث والصمود رغم التحديات الاقتصادية والمعيشية التي تواجه المزارعين في المنطقة.
حمل المُهجَّرون من داريا معهم الوردة الشامية ليزرعوها في قلب إدلب رمزاً للإرث والصمود رغم التحديات الاقتصادية والمعيشية التي تواجه المزارعين في المنطقة.
تبدو القرى والبلدات التي انسحب منها جيش النظام في ريفي إدلب وحلب مدن أشباح، منازل بلا أسقف، جدران مهدمة، وكل ما يمكن سرقته من بلاط وسيراميك ومطابخ قد اختفى.
في شمال سوريا، تقود نساء مثل صبا وهبة وديمة ومريم، فرق إزالة الألغام ومخلَّفات الحرب، متحديات الخطر يومياً لحماية المدنيين، ومُثبتات حضوراً نسائياً متنامياً في هذا الميدان شديد الخطورة.
يتناول هذا البحث مواقف ست قوى سياسية ودينية سورية، من ثلاث قضايا محورية في منظومة حقوق الإنسان: (حرية الدين والمعتقد، حرية الرأي والتعبير، حقوق الأقليات)، وذلك في ضوء مقارنتها بالمرجعيات الدولية، ولا سيّما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين.
تم إنتاج هذه المادة بالتعاون مع: الحراك السوري للإعاقة
رغم المطالبات بالعمل على رفع نسبة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الشأن السياسي، لا تزال النساء ذوات الإعاقة يواجهنَّ عوائق وحواجز مضاعفة في المشاركة السياسية، لا يقتصر الأمر على غياب الوعي فقط، إنما هو نتاج عدة ممارسات تراكمية تبدأ من الإقصاء وتنتهي عند القوانين وسياسات غير منفذة.
تقول نعمت الحلبي، من معرة النعمان ريف إدلب، وهي من النساء ذوات الإعاقة الحركية، وعضو مؤسس في الحراك السوري للإعاقة: بدأ اهتمامي بالمشاركة السياسية بعد إعلان تخصيص ثلاثة في المئة من المقاعد للأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس الشعب.
وتشير إلى أنها تقدمت بطلب الانتساب للهيئة الناخبة، أملاً بالمشاركة أو الترشح، إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى موقع التسجيل أو حضور الاجتماعات بسبب صعوبة التنقل، وتم تقديم الطلب عن بُعد، ما أدى بحسب قولها إلى منح أولوية للنساء غير ذوات إعاقة القادرات على الحضور الفعلي.
وتضيف الحلبي أنها فوجئت بعدم وجود أيّ امرأة من ذوات الإعاقة ضمن الهيئة الناخبة في مدينتها، وتمت التصفية لاحقاً حسب معايير مركبة لم تراعِ واقع الإعاقة بطريقة منصفة.
وتتابع: «لم أستطع حضور الاجتماعات التي تم الإعلان عنها في مدينتي، هذا جعلني أشعر أن الحاضرات كانت لهن الأولوية بالاختيار ليكنّ ضمن اللجنة الفرعية للانتخابات، بالإضافة لذلك لم يتم اختياري ومع أنني كنت قد حققت أكثر من معيار ضمن الشروط المطلوبة للمشاركة».
بحسب بيانات الأمم المتحدة، تشكّل النساء ذوات الإعاقة نسبة 20% على مستوى العالم. ويعيش ثلثا هؤلاء النساء في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط. أي ما يعادل امرأة من بين كل خمس نساء مقارنةً بنسبة 12% بين الرجال.
تقول أميمة الحامدي (30 عاماً)، من ريف حلب، ناشطة حقوقية ومسؤولة المناصرة في منظمة سند، ومن النساء ذوات الإعاقة الحركية، إن الدعم يبدأ من الحلقة الأولى، أي الأسرة، ثم المجتمع، معتبرة أن غياب الوعي يشكل العائق الأكبر أمام النساء ذوات الإعاقة.
وتشير إلى أن غياب النساء ذوات الإعاقة عن المشهد السياسي لا يعود فقط إلى ضعف الوعي السياسي، إنما منظومة الإقصاء تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع. ولا تزال أدوار النساء تُختزل في أدوار منزلية، و تتضاعَف القيود حين تكون من ذوات الإعاقة، إذ يحدّ من قدرتها على الوصول والعمل في الحياة العامة.
وتتابع: «أن وجود النساء في بيئة غير داعمة، وحرمانهن من التعليم والانخراط في المجتمع، ذلك يجعل فرصهن في المشاركة على كل الأصعدة تكاد تكون معدومة أو محدودة جداً، ما يستدعي العمل على التوعية بحقوق النساء ذوات الإعاقة».
وفي هذا الصدد فقد صادقت سوريا على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2009، مما يلزمها قانونياً بتنفيذ الاتفاقية التي نصّت على الحقوق في كافّة المجالات المدنية، السياسية، الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية على أساس المساواة مع الآخرين.
وبحسب المادة رقم (6) من الاتفاقية، تقر بأن النساء والفتيات ذوات الإعاقة يتعرضن لأشكال متعددة من التمييز، و تلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لضمان تمتعهن الكامل بحقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما أشارت المادة رقم 29 إلى حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة في الحياة السياسية والعامّة.
تضمن المرسوم التشريعي الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 19 لعام 2024، الحق في المشاركة السياسية، لكن يفتقر إلى بعض متطلبات هذا الحق كضمان سرية الانتخاب أو توفير متطلبات إمكانية الوصول إلى مراكز الاقتراع أو الانخراط في الأحزاب السياسية، مما يضاعف الأعباء على النساء ذوات الإعاقة، ويترك بعض الحقوق الأساسية غير محمية بشكل كامل.
وتوضح أميمة: من خلال عملها المجتمعي والسياسي لاحظت بشكل واضح إقصاء وتمييز مزدوج للسيدات ذوات الإعاقة في بعض منظمات المجتمع المدني ما يزيد من تحديات حصولهن على فرص تمكنهن سياسياً. وتؤكد أن هذا التمييز ناتج عن تقاطع النوع الاجتماعي مع الإعاقة، مما يحصر تواجدهن ضمن أدوار صورية أو رمزية دون مشاركة حقيقية في صنع القرار.
وفي هذا السياق، تشير إلى تجربة سابقة تم فيها تنفيذ مشروع توعية سياسية من خلال تدريبات عن بُعد، استهدف 25 سيدة من ذوات الإعاقة، في شمال غرب سوريا، وتضمن التوعية بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بهدف تعزيز الوعي بالحقوق والمطالبة بها والمشاركة السياسية.
وتوضح أن التحديات التي واجهت المشروع عند استقطاب المتدربات وقياس مدى رغبتهن، كشفت عن فجوة في الأولويات حيث أبدت 30 سيدة من ذوات الإعاقة عدم اهتمامهن بحضور جلسات التوعية السياسية.
مرجّحة ذلك إلى التحديات المعيشية وتقاطع حاجة الأغلبية بالحصول على الاحتياجات الأساسية. في حين 25 سيدة كانت مهتمة بالمشاركة وتلقي المعلومات، وساهم الأثر الإيجابي عند السيدات الحاضرات بخلق حافز للمشاركة والتعلم والتفاعل مع القضايا السياسية.
وأجرت منظمة سند بحث حول حدود المشاركة السياسية للسيدات ذوات الإعاقة أظهرت نتائجه أن 33% من العينة البحثية أعربن عن رغبتهن بالتواجد ضمن مراكز صنع القرار، في حين 25% لديهن رغبة بتغيير الواقع الحالي للنساء ذوات الإعاقة، فيما لم تبدِ 42% رغبة في الانخراط السياسي. كما أشارت 58% من المشاركات إلى أن طبيعة الواقع السياسي في سوريا أسهمت في عزوفهن عن المشاركة فاعلة.
تقول رنده عاشور، (31 سنة) من مدينة أعزاز ريف حلب، ناشطة مدنية ومدافعة عن حقوق الإنسان،
لم تعمل المنظمات في الشمال السوري على مشاريع مخصصة لتمكين النساء ذوات الإعاقة بشكل خاص، إلا أن بعض البرامج تظهر اهتمام عام بإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة دون تمييز نوعي، وهو ما يقتصر على جوانب تحفيزية لا ترقى لمستوى التمكين المنهجي.
ترى عاشور أن التمييز قائم في بعض الفعاليات، وذلك ضمن موقف شاهدته مع المجلس المحلي أظهر أنهم تجنبوا إشراك شخص من ذوي الإعاقة ضمن بيئة العمل، بحجة غياب الخبرة، على الرغم من أنه يتمتع بالخبرة المطلوبة، إلا أن هذا التبرير يعكس تمييزاً غير معلن.
وبحسب نتائج البحث ذاته، أظهرت البيانات أن نسبة 100% من الجهات المشمولة في الاستبيان تحتاج إلى تدريبات خاصة للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، فيما لم تحصل 83.3% منها على أي تدريب فعلي من أصحاب الخبرة في هذا المجال. كما أن 75% من المنظمات لا تمتلك سياسات خاصة تجاه السيدات ذوات الإعاقة أو بالفئة عموماً.
تقول هدى محمد، (34 سنة) من ريف دمشق، ماجستير في الإرشاد الاجتماعي، من النساء ذوات الإعاقة السمعية، وعضو لجنة قاموس الإشاري الموحد في سوريا، تعمل على تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وخصوصاً النساء وتشجيع مشاركتهن الفعّالة في المجتمع.
وتشير إلى غياب الإحصائيات حول نسبة النساء ذوات الإعاقة المشاركات في العمل المدني أو السياسي، موضحة وجود بعض المبادرات المحلية التي تعمل على ذلك الآن.
وبحسب قولها عملت عدة جهات على دعم النساء ذوات الإعاقة وتمكينهن ضمن برامج تطوير المهارات القيادية وإدارة المشاريع، التدريب على المشاركة في المجال السياسي وصنع القرار، التوعية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز التواصل الاجتماعي والسياسي.
وتُشير إلى وصف تجربتها بالمشاركة مؤخراً بعد سقوط النظام البائد أنّها كانت مثيرة للاهتمام وتُعطي مؤشر جيد لمستقبل مشاركة النساء ذوات الإعاقة بالقضايا التي تخصهن، حيثُ أنها قامت بحضور العديد من الجلسات التشاورية مع العديد من الوزارات التي تعمل على مناقشة واقع حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا وآليات تطويره.
وتتابع: ختام هذه الجلسات كان ورشة عمل أقامتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لمناقشة التعديلات المقترحة المتعلقة بالمرسوم التشريعي رقم 19 لعام 2024 الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، حيثُ أوضحت أن مشاركة النساء ذوات الإعاقة في هذه الورشة كانت فعلية وكان لنا دور فعّال في توصيف الواقع واقتراح التعديلات اللازمة.
وتختم: أن تمكين النساء ذوات الإعاقة يتطلب العمل على توفير برامج تدريبية مستمرة ومخصصة، وتسهيل الوصول للمعلومات والفرص القيادية، بالإضافة لخلق بيئة عمل شاملة تدعم مشاركتهن، وتعزيز الشبكات النسائية والتعاون بين منظمات المجتمع المدني.
تتفق المشاركات على أن رفع الوعي وحده غير كافي، ما لم يراعي المتطلبات الأساسية وضمان الوصول. ولا تزال آليات إشراك النساء ذوات الإعاقة غير فعّالة رغم مصادقة سوريا على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
تزايدت هجرة أهالي محافظة دير الزور نحو العاصمة دمشق بعد سقوط بشار الأسد، وتحولت من نزوح فردي إلى جماعي متسارع، ويرجع ذلك إلى الظروف الأمنية والمعيشية الصعبة، وغياب شروط الحياة الكريمة والآمنة.
الهجرة إلى العاصمة بالرغم من التحديات المعيشية ليست خيارًا، وفق ما ذكره بعض الأشخاص الذين وصلوا إلى دمشق، بل ملاذ أخير أمام انهيار شروط العيش الأساسية في محافظة دير الزور.
اعتادت دمشق خلال السنوات الأخيرة انتشار المتسولين أمام المحال التجارية والمساجد وعلى الطرقات العامة، بعضهم بحاجة فعلية للمال، فيما نشطت شبكات منظمة يديرها أشخاص ما أدى إلى تفاقم الظاهرة وتحويلها إلى مهنة.
وتنضم بشكل يومي وجوه جديدة إلى المتسولين، يلفت الانتباه أسلوبهم في التسول، إذ يلاحظ أن معظمهم حفاة القدمين ويرتدون ملابس مهترئة، وبعضهم يضع بعض الضمادات الطبية على مناطق مختلفة بجسده، ليستعطف المارين كي يدفعوا له أكثر.
يثير استمرار الظاهرة تساؤلات حول نجاعة الإجراءات التي تتخذها الجهات المعنية، وخصوصًا وزارتي الشؤون الاجتماعية والداخلية، لمعالجة أوضاع المتسولين والشبكات التي تدير مجموعات تتخذ من التسول مهنة لها.
بعد سقوط النظام، تواجه سوريا رهاناً وجوديّاً حاسماً: تطبيق برامج «نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج» (DDR) لإنهاء فوضى السلاح وتفكيك المجتمع المسلّح. يحلل المقال الشروط المسبقة اللازمة، والمعايير الدولية للعملية، ليخلص إلى أن نجاح الـ DDR في السياق السوري المعقد يظل مرهوناً بعوامل جوهرية عديدة أهمها توافر الإرادة السياسية والضمانات الأمنية المفقودة.
يتناول هذا المقال موقع التعليم في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، باعتباره ركيزة لإعادة بناء الثقة والسلم الأهلي بعد الحرب. ويحلّل كيف يمكن للمناهج أن تتحول من أداة للانقسام إلى وسيلة للمصالحة، عبر إصلاح تربوي يعترف بالتعددية وحقوق الضحايا، ويجعل من المدرسة فضاءً لتأسيس عقدٍ اجتماعي جديد
أذكر أنني كنتُ في الثّامنة حين سمعت رجلاً مسنّاً من قريتي، وهو واقف عند سفح جبل ليلون (في ريف عفرين)، يطلق نداءً عالياً لا يشبه الدعاء أو البكاء. كانت كلماته
مبعثرة، لا تستقرّ في جملة، إلا أنّ صداها يرتدّ من الصخر كما لو أنّ الجبل نفسه يردّد حزناً دفيناً. سألته: “من تنادي؟” قال وهو يحدّق في الأفق: “أخي الذي لم يعد، لعلّ
الجبل يرسل صوتي إليه”. منذ ذلك اليوم، صار الجبل في عيني كائناً له لغة خاصّة به، ومُستودعاً لأصوات البشر التي لم تجد طريقها إلى أي أذن أخرى.